محمد أبو زهرة
1505
زهرة التفاسير
سبحانه وتعالى يتغمدها برضاه وتقريبها حتى إن النبي صلى اللّه عليه وسلم ليذكر أن اللّه تعالى يخاطبها كفاحا ، أي مواجهة ، وأي تكريم أعلى من ذلك وأسمى ؟ ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم . وإن أرواح الشهداء الأبرار لترضى بجهاد الذين أعقبوهم في الميدان فلم يخلوه ، ولذا قال سبحانه : وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الاستبشار : طلب البشرى ، والبشرى هي الأمر الذي يدخل السرور في النفس ، لأمر كان يتوقع منه مرهوبا أو محبوبا فتجىء البشرى بالمحبوب دون المرهوب ، وفي بيان استبشار أولئك الشهداء الأبرار تخريجان : أحدهما - أن يكون المراد طلبهم البشرى بأن الذين لم يلحقوا بهم في الاستشهاد وخلفوهم في الميدان ، لا خوف عليهم من أن يستمكن العدو منهم ولا ينتصر عليهم ، ولا هم في حزن أو غم بسبب أنهم لم ينالوا ما يرغبون من نصرة كلمة الحق ، ورفع كلمة الدين ، فهم على اطلاع بما يجرى للمؤمنين ، ويريدون أن تجيء إليهم البشرى بالانتصار الباهر ، والفوز الظاهر الذي يذهب معه الخوف ويكون بدله الأمن ، ولا يكون حزن من هزيمة ، أو غم من قرح يصيبهم وتكون كلمة يستبشرون معناها يطلبون البشرى . التخريج الثاني : أن يكون معنى الاستبشار طلب البشرى ونيلها ، فالاستجابة معناها طلب الإجابة ونيلها ، والمعنى أنهم في سرور وحبور مما آتاهم اللّه تعالى من فضله ، ولأنهم جاءتهم البشرى بأن الذين لم يلحقوا بهم في الاستشهاد لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، بل يقبلون على الجهاد طالبين الاستشهاد من غير خوف ، ولا رهبة ، ولا حزن ، بل تلقيا لأسباب المنون بإيمان قوى ؛ لأنها إما الشهادة في عزة وكرامة ، وإما الانتصار وإعلاء كلمة اللّه تعالى . ولقد بين سبحانه وتعالى استبشارهم بحسن الجزاء فقال سبحانه : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ .